"مساكنك محبوبة يا رب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب" (مز 83: 1)

سلسلة ثمار الروح (اللطف)

  إن اللطف يكتشف النقط البيضاء فيمتدحها، ولا يركز على النقط السوداء .

تحضرني بهذه المناسبة قصة مدير مدرسة للطيران..

كان قد أعد الطلبة للامتحان النهائي العملي للتخرج. وصعد أحد الطلبة بالطائرة، وإذا بزمامها يفلت من يده، بدأت تتأرجح في الهواء بطريقة مخيفة. وشعر قائدها بأنه قد فشل في الامتحان ولا بُد سَيُرْفَد من المدرسة، فعلى الأقل فيلنقذ نفسه من الموت. وهكذا جاهد حتى نزل بها إلى الأرض سالمًا.. واقبل إليه مدير المدرسة، وقد توقع أن يسمع منه قرار الفصل. ولكن مدير المدرسة شدَّ على يده بحرارة وهو يهنئه قائلًا “على الرغم من خطورة الموقف، فإنك نجحت في أن تنزل بالطائرة سالمًا كأمهر طيار رأيته في حياتي”.. وبهذا الكلمات اللطيفة، أدخل الطمأنينة إلى نفسه. ثم قدم له بعض النصائح..

إن القلب اللطيف لا يحتقر الضعفاء  بل يسندهم.

وهكذا يقول الكتاب “شجعوا صغار النفوس. اسندوا الضعفاء. وتأنوا على الجميع” (1تس 5: 14). نعم، لولا هذه المعاملة من الله لنا، لهلكنا جميعًا. إنه يقول في مسألة المديونين اللذين على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون “وإذ لم يكن لهما ما يوفيانه، سامحهما جميعًا” (لو 7: 12). إنه لم يحتقر أورشليم المدوسة بدمها، بل غسل عنها دماءها، ومسحها بالزيت، يجعل تاج جمال على رأسها، فصلحت لملكة” (خر 16: 6 13).

بل إن الرب يعذر المخطئين -بلطفه- ويوجد لبعضهم عذرًا.

التلاميذ الثلاثة الذين كانوا معه في بستان جثسيماني، ولم يستطيعوا ان يسهروا معه ساعة واحدة عذرهم قائلًا “أما الروح فنشيط. وأما الجسد فضعيف” (مت 26: 41). فعلى الرغم من نومهم، قال لهم بلطفه: أما الروح فنشيط. والتمس لهم عذرًا من جهة ضعف الجسد..

وفي (مزمور 103) يقول الكتاب عن لطف الله وتحننه “لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا”. لماذا؟ “لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن”. وبنفس اللطف تصلى الكنيسة في أوشية الراقدين، تطلب لهم الرحمة “إذ لبسوا جسدًا، وسكنوا في هذا العالم..”

إن الله بلطفه، يقدر ظروف الناس، وطبيعتهم الضعيفة، فيغفر.. إنهم مجرد تراب، أثارتهم الريح، فتحولوا إلى غبار في الجو. يصبر عليهم بعض الوقت، حتى تهدأ الريح، فيستقرون..

الله في لطفه، يسمح لأولاده أن يعاتبوه أو يجادلوه. وقد يشتدون في كلامهم، فلا يغضب. وإنما بكل لطف يعطيهم فرصة للتعبير عما في داخلهم بكل حرية.

ما أعجب أن يقول له إبراهيم أبو الآباء في شفاعته عن سادوم- “أَدَيَّان الأرض كلها لا يصنع عدلًا؟! حاشا لك يا رب أن تفعل هذا الأمر: أن تميت البار مع الأثيم. فيكون البار كالأثيم! حاشا لك” (تك 18: 25).. ثم يبدأ التفاوض. إن وجد في المدينة خمسون بارًا.. إن وجد 45.. إن وجد أربعون.. حتى وصل التفاهم إن وجد عشرة أبرار، لا يهلك الله المدينة من أجل العشرة (تك 18: 26 32).. كل هذا والرب في لطف شديد يتلقى مفاوضة إبراهيم، ويفسح له المجال إلى آخر حد، حتى توقف