الأنبارويس

"مساكنك محبوبة يا رب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب" (مز 83: 1)

من حياة الأنبا رويس

كان ”فريج“ أو ”رويس“ يقسو على نفسه ويُقمع جسده، فكان لا يأكل إلاَّ قليلاً، ويأكل التافه من الأطعمة. أمَّا ثيابه فكان لا يلبس إلا ما يستر العَوْرة، ويترك باقي الجسد شبه عارٍ مُعرَّضاً لحرارة الصيف وبرد الشتاء. وكان شديد الحرص على حياته الروحية، يخشى عليها من كلِّ ما يخدشها. ويسلك في حياته على منوال القديس يوحنا المعمدان.

+ وبينما كان في الصعيد، افتقد ذات يوم إحدى العائلات، ففرحوا به فرحاً عظيماً، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون اسمه. ولما سألوه، قال لهم: ”تيجي“ إفليو، أي تيجي الكاذب. فتعجَّب الجميع لمعرفته اللغة القبطية رغم أنه لم يتعلَّم.

+ ملحوظة: يظن كاتب السِّيَر القديمة للقديسين أن كلمة ”أُمِّي“ تعني أنه لا يعرف شيئاً من القراءة والكتابة، ولكن ”أُمِّي“ كانت تعني أنه بالرغم من معرفته القبطية إلاَّ أنه لم يكن يعرف اللغة اليونانية، لذلك أُطلِق عليه لقب ”أُمِّي“، ذلك أن الكتاتيب القبطية – أي المدارس القبطية الأولية – كانت مستمرة منذ القرون الأولى وحتى القرن التاسع عشر، حيث يدرس الأولاد اللغة القبطية والكثير من ألحان القداس، كما كانوا يحفظون – عن ظهر قلب – مزامير داود النبي وبعض مقاطع من الإنجيل، وبعض مبادئ علم الحساب، وغيرها من مبادئ العلوم المعاصرة لكل زمان.

وبارك القديس تيجي (رويس) أفراد العائلة واحداً واحداً، وأخذ يُعلِّمهم ما هو نافع لبنيانهم. كما أنه أخبر كُلاًّ منهم عمَّا في قلبه، فامتلأوا دهشة وقدَّموا المجد لله الذي أعطى الناس مثل هذه العطايا.

+ وطاف هذا القديس كل بلاد مصر من قوص إلى دمياط والإسكندرية. وكان إذا دخل بلداً يعمل بيديه ليحصل على ما يقيت نفسه، ويتصدَّق بما يتبقَّى من أجرته، بعد أن يرسل لوالده ما يساعده في ضيقته.

+ وكثيراً ما عرض عليه أتباعه وتلاميذه الملابس الفاخرة أو النقود أو الهبات، فكان يرفضها. وكان ينظر إلى مقتنيات هذا العالم كأكبر مُعطِّل للإنسان عن خلاص نفسه. ومرة نظر إلى أحد تلاميذه وقال له مُحذِّراً: ”إيَّاك أن تطأ برجليك هذا (!) لئلا تُميتك بسمِّها القاتل“. فنظر التلميذ إلى الأرض فوجد درهماً ذهبياً، فاندهش. فقد كان ”فريج“ (رويس) ينظر إلى الذهب والفضة كما ينظر إلى العقارب والأفاعي السامة. وكان إذا اتفق وداس على شيء منها، نفض الغبار الذي لصق برجليه إمعاناً في التعفُّف عن أموال هذا العالم.

+ وهذا التقشُّف الزائد والنظرة المخالفة لنظرات أهل العالم من أصحاب الجاه والغِنَى والمقتنيات جعل القديس فريداً في سلوكه، واعتبره أهل زمانه شاذاً، فأصبح وحيداً. لكنه كان أبلغ عظة صامتة للمتهالكين على متاع هذه الدنيا.

+ ولم يكتفِ القديس فريج بهذا الحرمان الإرادي، بل تفوَّق في أعمال التقوى حتى أنه كان يصرف أيامه في الصوم والصلاة. فقد كان يصوم يومين يومين، وثلاثة ثلاثة، بصوم انقطاعي. ومرة صام أسبوعاً كاملاً، ومرة أخرى صام أحد عشر يوماً متوالية، كما شهد بذلك البابا متَّاؤس (المُلقَّب بـ ”المسكين“) بطريرك ذلك الزمان. وكان يقوم بهذه الأصوام سرّاً بحيث لا يفطن إلى ذلك أحد.