نتابع المحبة من ثمر الروح

متى إذن يبدأ في أن يفقد محبة الله ومحبة الخير؟

لما يبدأ في معرفة الشر، وفي مذاقته، وفي الالتذاذ به. وهذه هي التجربة التي أوقع فيها الشيطان الإنسان الأول. كان آدم وحواء لا يعرفان إلا الخير، فأدخلهما في معرفة الخير والشر. أي أضيفت إلى معرفتها للخير، معرفة الشر (تك 3: 5)

بدأ الإنسان يختبر الشر، وتكون بينه وبين الشر علاقة وعاطفة. هناك أشياء من الخير للإنسان ألا يختبرها. وعن هذه قال الكتاب “الذي يزداد علمًا يزداد غمًا” (جا 1: 18). قال الشيطان لحواء “يوم تأكلان تنفتح أعينكما”. وكان خيرًا لهما ألا تنفتح أعينهما على ذاك اللون من المعرفة.

يا ليت أن الإنسان لا يعرف سوى الخير، حينئذ يعيش سعيدًا. يعيش في محبة للناس، لأنه لا يعرف إلا الخير الذي فيهم، وليس غيره. سيأتي وقت، في الأبدية السعيدة، حينما نتقيًأ ثمرة معرفة الخير والشر، ولا نعود نعرف سوى الخير فقط، وننسى معرفة الشر. سيمحو الله من ذاكرتنا كل الشر الذي رأيناه تحت الشمس، ولا يبقى فينا سوى الخير وحده، نعرفه، ونتأمله، ونختبره، ونذوقه، فنزداد حبًا له.. ونمارسه بالحب.

نحن لا نفعل الخير مضطرين، ولا مأمورين، ولا متغصبين، وإنما نفعل الخير حبًا في الخير. تأكد أنه عندما يزن الله أعمالك في الأبدية، ليرى ما فيها من خير، سيزن الحب الذي فيها، ولا يأخذ الله من أعمالك سوى الحب فقط، ولا يكافئك إلا على ما فيها من حب.

كيف يطبق هذا المبدأ في حياتنا وفي أعمالنا؟ خذ الخدمة كمثال: إنها ليست مجرد نشاط أو تعب أو عظات، إنما: أنت تخدم وأنت تحب الناس، وتحب خلاصهم، وتحب بنيان الكنيسة والملكوت؟ وتحب الله الذي يحبهم، والذي تريدهم أن يحبوه.. تأكد أن الله سوف لا يأخذ من خدمتك سوى الحب..

وهكذا ينجح في الخدمة، من يراها حبًا. حب الله والناس يقوده إلى خدمتهم. وكلما يخدمهم يزداد حبًا لهم، فيزداد خدمة لهم. ونفس الوضع نراه في الصدقة..

إنها ليست مجرد طاعة لوصية، فالكتاب يقول “المعطى المسرور يحبه الرب”. ليس مالك الذي تعطيه هو الذي يحسب لك عند الله، وإنما الحب، الحب الذي يرتفع فوق مستوى العشور والبكور والنذور، وفوق مستوى الأرقام، ويعطى بسخاء ولا يعبر.

أولى ثمار الروح القدس هي المحبة. لذلك عندما عاتب الرب ملاك كنيسة أفسس، ودعاه إلى التوبة، لخص عتابه كله في عبارة واحدة، لم يذكر فيها خطية معينة، إنما قال: “عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى” (رؤ 2: 4). من أجل هذه المحبة قال الرب “يا ابني أعطني قلبك”. وإن أعطيتني هذا القلب، فحينئذ “ستلاحظ عيناك طرقي” فتكون إطاعة الوصايا هي نتيجة طبيعة للمحبة (أم 23: 26).

كثير من الناس سلكوا في حياة التوبة من الخارج، ولم يسلكوا في الحب الذي من الداخل، فأصبحت بينهم وبين الله علاقات وممارسات وطقوس، وليس بينهم وبينه حب، ففشلت حياتهم..

لما سئل السيد المسيح “أية وصية هي العظمى في الناموس؟”.. أجاب إنها المحبة بشطريها: تحب الرب إلهك من كل قلبك.. وتحب فريبك كنفسك.. بهذه المحبة يتعلق الناموس كله والأنبياء (مت 22: 26 – 40). كثيرون سيقولون له في اليوم الأخير “يا رب باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين”.. (مت 7). ولكنه سيترك كل هذا ويسألهم عن الحب الذي فيهم. إنها ليست مسألة معجزات ومواهب، فما أكثر الذين هلكوا على الرغم من مواهبهم. لذلك فإن الرسول بعد أن تحدث عن المواهب الروحية، قال “أريكم طريقًا أفضل”.. وتحدث عن المحبة (1كو 13). وبمقدار محبتنا لله سيكون فرحنا به في الأبدية، وستكون سعادتنا.

نجم سيمتاز عن نجم في الرفعة، وهذه الرفعة ستحددها المحبة. وإذا أحببت الله سوف لا تخاف، أن المحبة تطرح الخوف إلى خارج.. إذا أحببت سوف لا تخاف الله، ولا تخاف الخطية، ولا تخاف الناس، ولا تخاف الموت..

بالحب يعيش الإنسان في فرح دائم، يفرح بالرب الذي يقوده في موكب نصرته، من خير إلى خير، ويفرح لتمتعه بالرب، لأن الخطية لا مكان لها في قلبه ولا مكانة.

حقًا قد تحدث له حروب ومقاومات من الشيطان، ولكنها ضيقات من الخارج فقط، وأما في الداخل فيملك عليه. وهكذا يجتمع في قلبه المحبة والفرح والسلام.

أريدكم أن تدربوا أنفسكم على هذا الحب، أخرجوا من مظاهر الحياة الروحية، وادخلوا إلى عمق الحب. والمحبة لن تسقط أبدًا. لقد أذكر بطرس معلمه، وسب ولعن وقال: لا أعرف هذا الرجل. ولكن الرب لم يسأله سوى سؤال واحد “أتحبني؟”.. وأجاب بطرس: “أنت تعلم يا رب كل شيء. أنت تعلم أنى أحبك” (يو 21: 15 – 17).  وبهذه المحبة نال الغفران، ورجع إلى رتبته الرسولية.

من كتاب ثمر الروح للبابا شنودة الثالث

 

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*