نتابع الوداعة من ثمر الروح

الإنسان الوديع سهل التعامل مع الناس.

يستطيع كل شخص أن تأخذ معه ويعطى.

إنه سهل في نقاشه وحواره. لا يحتد ولا يشتد. ولا يستاء من عبارة معينة يقولها محاوره. فيشعر المتناقش معه براحة مهما كان معارضًا له. يعرف أنه سوف لا يغضب عليه، وسوف لا يحاسبه على ما يقول. ولعل أفضل الأمثلة على ذلك:

حوار الرب -في وداعته- مع إبراهيم، ومع موسى

مَنْ منا يحتمل من أحد خدامه أن يقول له: ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر؟‍ ولكنه الله الوديع..

الإنسان الوديع حليم، واسع الصدر، طويل البال.
كما وصف بذلك موسى النبي

والوديع إنسان بشوش، لا يعبس في وجه أحد.

له ابتسامه حلوة محببة إلى الناس، وملامح سمحة مريحة لكل من يتأملها. لا تسمح له طبيعته الهادئة أن يزجر أو يوبخ أو يحتد ويشتد. أو أن يغير صوته في زجر إنسان.

ومهما عومل، لا يتذمر ولا يتضجر ولا يشكو.

بل غالبًا ما يتلمس العذر لغيره، يبرر في ذهن مسلكه، ولا يظن فيه سوءًا، وكأن شيئًا لم يحدث. فلا يتحدث عن إساءة الناس إليه. ولا يحزن بسبب ذلك في قلبه. فإن تأثر لذلك أو غضب، سرعان ما يزول ذلك، ولا يتحول حزنه أو غضبه إلى حقد.. بل سرعان ما يصفو..

الوديع يتميز بأنه بطئ الغضب.

كما قال معلمنا الرسول “ليكن كل إنسان مسرعًا إلى الاستماع، مبطئًا في التكلم، مبطئًا في الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله” (يع 1: 19). وما أكثر ما قيل عن إلهنا الوديع إنه بطئ الغضب” (يون 4:2)، وإنه “طويل الروح، وكثير الرحمة، (مز 103: 8).

كذلك فإن الوديع، لا يغضب لأي سبب.

إذا غضب الوديع، فاعرف أنه لا بُد من أمر خطير دعاه إلى ذلك. وغالبًا ما يكون غضبه لأجل الرب، ليس لأجل نفسه، أو بسبب كرامته أو حقوقه كما يفعل غير الودعاء. وإذا انفعل لا يشتعِل.

والوديع إنسان مسالم، لا ينتقم لنفسه.

لا يقاوم الشر، كما أمر الرب (مت 5: 39). أي لا يقابل الشر بمثله، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى. وإنما هو كثير الاحتمال. لا يدافع عن نفسه، بل غالبًا ما يدافع عنه غيره موبخين من يسئ إليه بقولهم “ألم تجد سوى هذا الإنسان الطيب لتسئ إليه”؟!

الإنسان الوديع لا يؤذى أحدًا، ويحتمل الأذى من المخطئين.

وله سلام في داخله، فلا ينزعج ولا يضطرب.

كل المشاكل الخارجية لا تعكر صفوه الداخلى، قال مارإسحق: “سهل عليك أن تحرك جبلًا من موضعه. وليس سهلًا عليك أ، تثير إنسانًا وديعًا”.

وهو لا يصطنع الهدوء. إنما كما خارجه، هكذا داخله أيضًا. إنه كصخرة أو جندل في نهر. مهما صدمت الأمواج تلك الصخرة، تبقى كما هي لا تتزعزع.

كثيرًا ما نرى الودعاء يصبرون ولا يدافعون عن حقوقهم.
الوديع بعيد عن المجادلة والمحارنة.

كما قال الكتاب “افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مُجادلة” (في 2: 14). يقصد بالمجادلة هنا: (المقاوحة في الكلام) أو المحارنة.. ذلك لأن الوديع لا يجاهد لكي يقيم كلمته، ولكن ينتصر في المناقشات. إنما يبدى رأيه ويثبته، وليقبله من يشاء متى يشاء، دون أن يدخل في صراع جدلي أو في حرب كلامية. فهذا ضد هدوئه.

الوديع لا يوجد في تفكير خبث ولا دهاء ولا تعقيد.

لا يقول شيئًا، وفي نيته شيء آخر. بل الذي في قلبه، على لسانه. وما يقوله لسانه، إنما يعبر عن حقيقة ما في قلبه. ليس عنده التواء. ولا يدبر خططًا في الخفاء. هو إنسان واضح، يتميز بالصراحة. يمكن لمن يتعامل معه أن يطمئن إليه. إنه بسيط لا حويط، ولا غويط..

إنه يمر على الحياة، كما يمر النسيم الهادئ على السطح الماء.

لا يحدث في الأرض عاصفة ولا زوبعة، ولا يحدث في البحر أمواجًا ولا دوامات. ولا يحب أن يحيا في جو فيه زوابع ودومات. إن كل ذلك لا يتفق مع طبعه، ولا مع هدوئه، ولا مع لطفه.

ولا مع أسلوبه في الحياة. لذلك فإن كل من يعاشره، يلتذ بعشرته. فهو طيب هادئ لا تصطدم بأحد، ولا يزاحم غيره في طريق الحياة. وإن صادف مشاكل، فإنه يمررها، ولا يدعها تمرره.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*